Decoration, Inspiration, Uncategorized

قراءة فلسفية في كتاب “صوت قتيل” للأستاذ خليفة عبد السلام

ما عساني أكتب وأنا أتصفح هذه الشذرات العميقة؟ ثمة في العنوان وحده ما يكفي لاستفزاز كل يقين: “كلام قتيل”. فهل يمكن للكلام أن يُقتل؟ وإن كان قد قُتل، فمن يتحدث إذن؟ ومن يكتب؟ تلك ليست أسئلة بلاغية تُزيّن مطلع مقال، بل هي الأبوريا التي ينهض عليها هذا النص كله — المأزق الذي يرفض الانحلال، ويُقيم في توتره بوصفه وطنه الوحيد. منذ الشذرة الأولى يضع المؤلف خليفة عبد السلام يده على الجرح: “يُلمِّع الوقت… وينقذ معنًى من الحصار، ويصنع زمانًا، في زمن السلام القتيل، تأبِّده المفردات!” فالمفردات هنا لا تحيي ما مات، وإنما لابد من القول أنها تُؤبِّده — وهذا فرق جوهري يستحق التوقف. التأبيد ليس إحياءً، ولكنه إقامة الميت في مقامه، واعتراف بأن الغياب لن يُردَّ. الكتابة إذن، منذ سطرها الأول، تعرف حدودها وتُعلنها.

يمكنني أن أقول أنّ جاك دريدا لم يكن يُعادي المعنى أثناء طرحه مفهوم الاختلاف، فكان يكشف عن الوهم الذي يجعلنا نظن المعنى حاضرا كاملا في أي لحظة من لحظات الكلام. المعنى — هكذا يقول — دائمًا مُرجَأ، دائمًا يؤجّل حضوره، يختلف عن نفسه في كل استخدام. وما يفعله “كلام قتيل” في الشذرة الرابعة أعمق من الشعر: “فالمعنى رهين الأوان”. كلمة “رهين” هي المفصل. الرهينة محبوسة، في انتظار فداء لن يأتي. المعنى لا يملك نفسه، هو في حوزة الوقت الذي يتغير باستمرار، ومع تغيره يتغير المعنى، ويبقى مؤجلاً أبداً. فهل يكتب هذا النص عن المعنى، أم يكتب ضد وهم امتلاكه؟

يمتد هذا التوتر ليشمل الذات ذاتها. في الشذرة الثالثة والثلاثين تنكشف لحظة فلسفية نادرة: “أنا، وأناي، وفنجان قهوة ساده…” الأنا لا تواجه العالم، فهي تواجه نفسها. وهذه المواجهة ليست وحدة، فهي تعدد داخلي يُشبه ما وصفه دريدا حين رفض الذات الديكارتية المتماسكة وأعلن أن “الأنا” نفسها مكتوبة، أي مُصنَّعة، وليست أصلاً سابقاً على اللغة. والسؤال الذي يطرحه الآخر في الشذرة ذاتها — “أتفقه لغة الصمت؟!” — لا يُجاب عليه بنعم أو لا، وإنما يُجاب بتحذير: “لا تبالي، وانصت لقرع خطانا، واحذر أن يردينا لحنه قتلى وقتيلا!” فالصمت ليس لغةً تُتعلَّم بالفهم، ولكنه خطرٌ يُسمع بالحذر. ومن هو القاتل هنا؟ الكلام أم الصمت؟ أم ثمة ما وراءهما معاً يتربص؟

تلك اللغة التي يُسمّيها دريدا — الدواء والسم في آنٍ واحد — تحضر بشكل صريح في الشذرة السادسة والثلاثين: “وكأني الضحية هنا والقتيل”. الذات لا تعرف موقعها في حكايتها الخاصة. هي التي تُعاني وهي التي تتسبب في المعاناة. هي الجارحة والجريحة. وهذا ليس تناقضاً يجب حله، فهو الحالة الوجودية التي يُصرّ النص على الإقامة فيها دون تسوية. قلق دريدا من الميتافيزيقا لم يكن قلقاً أكاديمياً بارداً، وإنما كان رفضاً لكل خطاب يُريح نفسه بحل التوترات وتجاوز التناقضات. “كلام قتيل” لا يُريح. يُقلق، ويُقيم في القلق.

لكن أين يُقيم هذا القلق؟ ما مكانه؟ وهنا يُعلن النص عن جغرافيا غير مألوفة. في الشذرة السابعة: “ليس لي وطن سوى وطن الكلمات، ومنفاي القصائد بأقبية الأمسيات!” الوطن ليس أرضاً وإنما لغة، والمنفى ليس مكاناً بل نصاً. وهذا الانزياح ليس استعارةً شعرية فحسب — إنه تشخيص. فالوطن في الخطاب التقليدي مركز ثابت يمنح الهوية والأمان، والمنفى هامش يُفقِد. لكن في منطق دريدا التفكيكي لا يوجد مركز خارج اللعبة النصية؛ كل “مركز” هو نفسه أثر، وكل “هوية” هي نتاج اختلاف لا وحدة. ولذا فإن جعل اللغة وطناً ليس هروباً من الواقع، فهو الاعتراف بأن الواقع ذاته مُنسَوج بالكلام ومن الكلام.

وإن كانت اللغة وطناً، فما مصير هذا الوطن حين “يخون اليقين”؟ الشذرة السابعة مرة أخرى: “فقد خاننا اليقين بالذكريات”. الذاكرة ليست خزيناً أميناً للماضي — هذا ما تقوله فلسفة دريدا في اختلافها مع هوسرل. الذاكرة تُنتج الماضي ولا تستعيده. وكل استعادة هي في الحقيقة إعادة كتابة. ولذا فإن خيانة اليقين ليست مفاجأة، وإنما هي القانون الخفي الذي يحكم كل استذكار. ما “نتذكره” لم يكن كما نتذكره قط. الشذرة الحادية والثلاثون تكشف هذا بوضوح: “ألّفنا معًا ماضيًا مشتركًا، وصنعت منها لنفسي ذكرى”. الفعل “ألّفنا” — من التأليف — يُعرّي العملية: الماضي مُؤلَّف لا محفوظ. مُصنَّع لا مُسترجَع. وهذا التأليف يحدث في سكون الغرفة، حين يجلس المرء مع نفسه ويعيد ترتيب ما مضى وفق منطق الحاضر.

يبقى السؤال الذي يحوم فوق الشذرات كلها دون أن يحطّ: “هل حقًّا نجونا؟!” النص لا يُجيب.. إن الإجابة الوحيدة الواردة هي: “لا أعلم، ربما…” ثم “لا أدري… لكنّا كلّما صادفتنا قصائدنا، وبحثنا في تاريخها عن أسمائنا وجدنا دليلًا يقودنا لحتفنا! كأنّا قتلانا، دون قصد!” هذه العبارة هي ربما أعمق ما في الكتاب. الذات تقود نفسها لحتفها. السلوك الإنساني يتضمن تدميره الخاص. ودريدا الذي قرأ فرويد جيداً كان يعرف هذا: الإنسان ليس مشروعاً متماسكاً يسير نحو غاية، وإنما هو نص مُتقاطع تخترقه نوازع متعارضة، وكثيراً ما يسير بقدمين في اتجاهين.

شكل الشذرة نفسه — وهو الشكل الذي اختاره المؤلف لنصه كله — ينطوي على موقف فلسفي ضمني. الشذرة تبدأ ولا تكتمل. تنتهي دون أن تصل. لا تبني برهاناً، ولا تقود إلى خلاصة. إنها تُشبه ما يصفه دريدا بـ”الكتابة المنفتحة” — تلك التي لا تُعيد الفائض إلى نظام، فتتركه يفيض. ولذا فإن قراءة الشذرات واحدة تلو الأخرى ليست تجميعاً لأجزاء تصنع كلاً — وإنما هي تجوال في فضاء حيث كل نقطة مركز مؤقت سرعان ما يتزحزح. “يحاصرني الزمكان، بين الذكرى والحلم… كلّما حرّضتني رؤاي، ودلّتني للأفق، صرخ المستحيل بوجهي؛ فكسر أجنحة الأمل!” الأفق يُحرّض، والمستحيل يصرخ. لا انتصار لأحدهما على الآخر. الحركة هي الإقامة.

في النهاية — وإن كان هذا النص يرفض “النهاية” بوصفها إغلاقاً — يمكن القول إن “كلام قتيل” يكتب نفسه في اللحظة التي يتشكك فيها بقدرته على الكتابة. يُسمّي ما لا يقدر على تسميته، ويُقيم حيث لا مقام. وفي الشذرة الأربعين يرتفع الصوت ليُخاطب شخصاً ما — أو ربما نفسه — بصيغة الأمر: “ارقص على أنقاضك مبتسماً!” وهذا ليس تفاؤلاً، ولكن ما يسميه دريدا “القبول المأساوي” — أن تعيش في الجرح دون أن تدّعي شفاءه. أن تكتب “كلاماً قتيلاً” وتعرف أنك بكتابتك هذه لا تُحيي الكلام، فتُضيف جثة أخرى إلى المشهد — جثة نصك أنت — وتتركها معروضة لكل من يمر، يُعيد قراءتها، ويكتشف فيها شيئاً من موته الخاص.

أ. كمال لعرابي

جامعة مولود معمري تيزي وزو

بتاريخ: 21/05/2026 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *