Uncategorized

قراءة في كتاب “العقل أعظم نكتة” للكاتب بوكسيم لياس

بقلم: أ. كمال لعرابي

قراءة بمنحى “حين يضحك العقل من نفسه”

في كتاب “العقل… أعظم نكتة” وبعد أن قمت بتحقيقه أقول: ثمة كتب تُجيبك، وثمة كتب تسألك. وثمة — نادرا — كتب تفعل الاثنين معا، ثم تضحك في وجهك حين تظنّ أنك فهمتها. وأنا شخصيا أقول أنّ كتاب “العقل… أعظم نكتة” عن مؤلفه: بوكسيم لياس من هذا الصنف الأخير.

حين يشرع الكاتب منذ سطوره الأولى في وصف العقل بأنه “مدير صامت” و”مهرّج محترف”، قد يُوحي ذلك بخفّة لا عمق لها. لكن القارئ المُنتبه -الذي يفكك ما داخل النص- سيكتشف سريعاً أن هذه الخفّة هي نفسها الفلسفة المقصودة؛ إذ يُعلن الكتاب صراحة أن مشروعه ليس إصلاح العقل، ولكنه أبعد من ذلك؛ فهو يفضحه. وهذا، بحدّ ذاته، موقف فلسفي دقيق يأبى الاستسهال.

فما الذي يُريد الكاتب قوله، في أعمق طبقاته؟ يُريد القول إن الإنسان لا يعيش في العالم كما هو، ولكنه في الحقيقة يعيش في نسخته من العالم؛ نسخة يبنيها العقل بصمت، مُلوَّنة بمخاوفه ورغباته وذاكرته الجريحة. وهذا ليس رأيا طريفا، ولكنه في الأصل هو صميم ما قاله ‘إيمانويل كانط’ حين ميّز بين “الشيء في ذاته” وبين “الظاهرة” التي ندركها؛ فالعقل لا يعكس الواقع، بل يُشيّده. ويُجسِّد هذه الفكرة عبر ثلاث صور متكررة: العقل “مخترِع قصص”، وعقل “صانع أوهام”، وعقل “آلة قلق”. وقد توضح لي أنه في كل صورة ثمة لؤم بنّاء: لا يُقدِّم هذه الصور ليُخيفك أو يُدمِّرك، ولكنه يقدمها ليُريك أنك لست وحيدا في هذه المعركة، وأن العقل البشري — كل العقول — يعاني هذا التناقض الممتع بين ادّعاء المعرفة وعجزها الفعلي. وهذا ما نلمسه في هذه الشذرة المأخوذة من الفصل الأول: “العقل يحب التظاهر بالحكمة حتى حين لا يعلم. يشبه الأمر طالبا مفرط الثقة في امتحان شفهي وهو لا يعرف شيئا على الإطلاق.”

يُعالج الكاتب في محوره الثاني سؤالا معرفيا جذريا: لماذا نُصدِّق ما نُصدِّق؟ والجواب الذي يُقدِّمه — بلغة حيّة لا مصطلحا فلسفيا — هو أن التصديق ليس عملية منطقية ولكنه عملية عاطفية انتقائية. نُصدِّق ما يُريحنا، ونرفض ما يُزعجنا، ونلبس اليقين ثوبا لا يتّسع للشك. وهذا ما يُسمّيه علم النفس المعرفي تحيز التأكيد، لكن الكاتب يُسمّيه بتعبير أجمل: “المعلومة تُعجبني… إذن هي صحيحة.” ولا يقف الأمر عند الفرد؛ ولكنه يمتد إلى ما يُسمّيه الكاتب “غرفة الصدى”؛ تلك الفضاءات التي يتردّد فيها صوتك وحده، تُقنعك بأن العالم يتفق معك. وهنا يلتقي الكتاب مع ما طرحه ‘نيل بوستمان’ في نقده لإعلام الترفيه: الوسيط يُشكّل التفكير، ليس فحسب محتواه. وعصر المحتوى — في الفصل السادس — يُحوِّل العقل من صانع إلى مستودع؛ يتراكم فيه كل شيء دون أن يُهضم شيء.

فربما يكون المحور الثالث — “العقل ضد الإنسان” — أعمق ما في الكتاب فلسفيا. حيث في هذا المحور يطرح الكاتب بوكسيم سؤالا نعرف الإجابة عنه ولا نُصدِّقها: لماذا نعود إلى نفس الأخطاء مرارا؟ ليس لأننا أغبياء، يقول الكتاب، ولكننا نعود إليها لأن العقل يُفضِّل الألم المألوف على السلام المجهول. المألوف عند العقل يساوي الآمن، وحتى لو كان المألوف مأزقا متكررا. وهذا يُناظر بدقة مفهوم ‘سيغموند فرويد’ عن القهر التكراري؛ ذلك الميل اللاشعوري إلى إعادة تمثيل المواقف المؤلمة كمحاولة فاشلة للسيطرة عليها. والكاتب يُجلّي هذه الفكرة بعيدا عن ثقل اصطلاح فرويد، مُعيدا إياها إلى لغة مباشرة تُؤلم القارئ بلطف، حيث كتب في الفصل الخامس: “العقل لا يرى ما يحدث؛ يرى فقط ما حدث”؛ و”الكذبة الأعمق ليست تلك التي تُقال لك، وإنما تلك التي تُحبّ سماعها.”

يكشف الكتاب عن وجهه الأعمق. الضحك ليس هرباً من الثقل، هو فقط الطريقة الأمينة للتعامل مع عبثية العقل. وهذه الأطروحة تُحاكي ما صاغه ‘هنري برغسون’ في أطروحته الشهيرة: الضحك يكشف الآليّة في السلوك الإنساني، يكشف الصلابة التي تحلّ محل المرونة. حين تضحك على نفسك فأنت تُعلن — دون كلام — أنك أكبر من أفكارك.

لكن الكاتب يذهب أبعد من برغسون: الضحك ليس نقداً اجتماعيا فحسب، فهو خيار وجودي. وهو يقترب هنا من ألبير كامو حين قرّر أن الاعتراف بعبثية الوجود لا يُفضي بالضرورة إلى اليأس، وإنما يفتح مساحة للحرية. “الضحك موقف فلسفي تماما مثل الشك”، هذه الجملة الواردة في الفصل العاشر تستحق أن تُكتب وحدها.

بيد أنّ الكتاب لا يخلو من توتر داخلي مثمر: فهو يُشخّص العقل بامتياز، لكنه يتوقف عند عتبة السؤال الأعمق الذي يُلوِّح به دون أن يلجه: إذا كان العقل يخدعنا، فمن الذي يُدرك هذا الخداع؟ من هو ذلك “الشاهد” ما وراء العقل الذي يستطيع أن يراه من الخارج؟ هذا السؤال الميتافيزيقي — الذي طرحه الفلاسفة من ‘أرسطو إلى هوسرل إلى بوذا’ — يظل معلّقاً في الكتاب، ربما عن قصد، لأن الإجابة عنه تُفضي إلى عالم آخر بالكامل.

وهذا ليس نقيصة، ربما هو أذكى القرارات الأسلوبية في الكتاب: أن تفتح الباب دون أن تُجبر القارئ على الدخول. فالفلسفة الحقيقية لا تُعطيك النتائج، لكنها تُربّيك على التساؤل.

يختم الكاتب كتابه بما يُسمّيه “النهاية المفتوحة”، وهو اختيار فلسفي أمين. فالحياة لا تُقدِّم خلاصات مرتّبة، والعقل لا يتوقف عن خداعه في لحظة تنوير مُفاجئة. ما يُقدِّمه الكتاب أنبل من الخلاصات: يُقدِّم وضعية، طريقة للنظر؛ أن تُراقب عقلك باندهاش بدل أن تستسلم له ببلاهة، وأن تُدرك أن النكتة الكبرى تعتمد على مشاركتك لا على فهمك.

وفي النهاية، ربما هذا هو الدرس الفلسفي الأكثر صدقا وتواضعا الذي يُقدِّمه الكتاب: لا أحد يُسيطر على عقله سيطرة تامة. لكن من عرف هذا ابتسم؛ وهذه الابتسامة هي بداية كل حرية.

الحياة أعظم نكتة، وأنت أحد أبطالها، والضحك هو الطريق لفهمها دون أن تفقد نفسك.

بقلم: أ. كمال لعرابي
بتاريخ 10.05.2026

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *