Blog
في الوحدة كاختيار والصمت كثقل والبقاء كفعل يومي صغير
قراءة في المجموعة القصصية: سنجاب يطرق النافذة للكاتبة: صباح تيطراوي.
بقلم: أ. كمال لعرابي
في هذه المجموعة القصصية “سنجاب يطرق النافذة“ تتحدث صباح تيطراوي عن شيء يصعب تسميته في العادة: الوحدة الجميلة. ليست الوحدة كغياب الناس، وإنما تلتمس الوحدة كاختيار، وكحالة وجودية يرتضيها الإنسان ليسمع نفسه بشكل أوضح. والفارق بين المجموعتين واضح في النبرة منذ السطر الأول: “تعالوا نحتفل بالفوضى“ كانت تصرخ، و“سنجاب يطرق النافذة” تهمس.
فالهمس في هذا السرد ليس ضعفا، هو فقط شكل مختلف من المقاومة. حين تختار الراوية في “خلوة“ كوخا وسط غابة، وكلبًا اسمه روكي، وبئرًا تسقي منه حديقتها، وتعيش وفق قاعدتها الخاصة: “لا تأكل إلا مما تزرع يداها“، في عزلتها الجميلة، فهي لا تهرب من العالم بل تُعيد تعريف ما يعنيه. العالم عندها ليس المدينة والضجيج والعلاقات المُنهكة، المعمورة جذور البصل التي يسقيها الماء المسكوب، وصوت الدلو في البئر، وكلب يعرف متى يُلازمها ومتى يتركها. هذا ليس عزلة، هذا اقتصاد وجودي: أن تحذف ما لا يغذيك وتبقى على ما يكفي. لكن، الكاتبة صباح تيطراوي لا تُغلق هذه العزلة بالكامل. ففي “البحيرة” تخرج الراوية بحثًا عن قطتها، وتجد قصة مراد حارس الغابة الذي فقد ابنته غرقًا ثم كاد يفقد ابنه. والجملة التي تقولها لزوجته الغاضبة: “إنها أم أيها الأب“، ثلاث كلمات تعيد للرجل وجهه. هذه اللحظة تكشف موقف الكاتبة من العزلة: هي ضرورية لكنها ليست كاملة، فالإنسان يحتاج أحيانًا إلى غريب يقول له ما لا يستطيع أن يسمعه من نفسه.
وهنا يطل السؤال الكبير الذي تطرحه المجموعة من زوايا مختلفة: ما الذي يجعل لحظة ما تستحق أن تُعاش؟ العجوز بشير في “بعض حياة“ يُجيب بطريقته الخاصة؛ رجل وحيد يستيقظ كل صباح ليراقب جارته من النافذة المقابلة: قهوتها الخضراء، بيجامتها الحمراء المنقطة، طريقتها في إعادة شعرها إلى الوراء. ليس هذا تلصصًا، هو شكل من أشكال الحب المتأخر، حب لا يطلب شيئًا ولا يدّعي امتلاكًا. “هناك من يستيقظ فقط ليتقاسم معك لحظات هدوء“ يقول لها. وهذه الجملة تحمل ثقلًا فلسفيًا كبيرًا: أن وجودنا يُلمح أحيانًا في عيون من يرانا دون أن نعلم، وأن الحياة تستمر لأن أحدهم في مكان ما يجد في مشهدنا اليومي سببًا لفتح العينين. لكن؛ ماذا حين تُسرق اللحظة؟ ماذا حين يُعاش الجسد في وقت ويُعاش القلب في وقت آخر؟ في “سنجاب يطرق النافذة“، القصة التي تُعطي المجموعة عنوانها، تسقط رسالة حرب فتتحول إلى رسالة حب بسقوط حرف واحد، وهذا الخطأ الصغير يُغير مصائر. ملك يترك حربه لأجل سنجاب فضولي وفتاة تعلمت العشق وسط الرماد. تقول القصة شيئًا نادرًا: إن أجمل الأشياء في التاريخ جاءت بالخطأ، وإن التحكم الكامل في المصير وهم، وإن الحياة تتسرب أحيانًا من شقوق المخطط لا من تنفيذه.
وفي “المحطة“، تصف المرأة الواقفة بحقيبتها “بلا هدف” حالة يعرفها كل من وقف يومًا في منتصف حياته ولا يعرف إلى أين يمضي: “ألف ومائة عام من الغربة داخل محطة“ تقول. الغربة هنا ليست جغرافية، هي تلك المسافة الدقيقة بين ما يريده الإنسان وما يجرؤ على طلبه. أما الرجل الغريب الذي يأخذ بيدها في صمت إلى سطح عمارة قديمة ليُريها المدينة من فوق، فمشهده ليس مشهدًا رومانسيًا بقدر ما هو استعارة: أن تغيير زاوية النظر وحده كافٍ أحيانًا لأن يبدو كل شيء مختلفًا. من الأسفل، المدينة صاخبة ومعقدة وغاضبة؛ ومن الأعلى، هي مجرد أضواء ترسم لوحة غير مقصودة.
وتبلغ المجموعة أقسى لحظاتها في“انكسار“؛ رجل يبتسم في صورة عائلية ثم ينتحر بعد ساعات. ولا تُقدّم تيطراوي هذا كصدمة مسرحية، بل كسؤال: كيف يكون الألم هكذا صامتًا حتى يخدع من هم في الصورة معه؟ ووصيّته تكشف أن ما قتله لم يكن حادثة واحدة، فهو تراكم طويل من الصمت، من الجُبن المُحبّ، من الاختيار بين نوعين من الخسارة، واختيار الأشد وطأةً ظنًّا أنه الأكثر رحمة بالآخرين. وهنا تضع الكاتبة يدها على الجرح الأعمق في المجموعة كلها؛ أن الابتسامة التي نراها على الوجوه ليست دائمًا ما يحدث خلفها، وأن الصمت حين يُزرع فينا طويلًا يصبح أثقل من أن يُحمل.
وفي “مجنون مثقف“، يطرح عمي رزقي، الكاتب والصحفي الذي اختار مصحة للأمراض العقلية على أن يعيش بين “العقلاء” الذين أرهقوه، المعادلة المقلوبة التي تسري في المجموعة بأكملها: من قرر أن العقل هو ما يُشبه المجموع؟ ومن قرر أن الخروج عن المجموع جنون؟ فيقول: “أصدق الأشخاص هم هؤلاء الذين يحيطون به اليوم، وليس من أحاطوا به أيام شهرته ونجاحه“. وهذه الجملة تُعيد تعريف الصحة النفسية لا كغياب الاضطراب بل كحضور الصدق. فالمجنون بهذا المعنى هو الأكثر اتساقًا مع نفسه، والعاقل هو من يُمثّل طوال حياته دورًا لا يشبهه.
وكل هذا يقودنا إلى ما يمكن تسميته بـ “فلسفة القهوة” عند الكاتبة صباح تيطراوي، وهي ثيمة تعود في كل قصة تقريبًا: القهوة ليست مشروبًا، وإنما هذا المشروب الذي يدمن عليه الكثيرين هو طقس وجودي. “الطفلة التي تحب القهوة تعيش هنا“ تكتب على باب بيتها. القهوة هي اللحظة الأولى قبل أن يبدأ العالم في مطالبتها بشيء، هي الدقائق التي يعود فيها الإنسان إلى نفسه قبل أن يتحول إلى ما يريده منه الآخرون. ولهذا تُعيد الكاتبة هذه الصورة مرارًا: امرأة وحيدة، فنجان قهوة، نافذة أو شرفة أو حديقة؛ ثلاثة عناصر تُشكّل ملاذًا بسيطًا يبدو تافهًا لكنه في الحقيقة فعل مقاومة يومي.
والسنجاب؟ الذي يطرق النافذة كل صباح هو ذلك الشيء الصغير الفضولي الذي يأتي من العالم الخارجي ليذكّرك أن الحياة لا تزال تحدث هناك، وأن الفضول لم يمت، وأن ثمة من ينتبه إلى نافذتك. ليس بطلًا ولا منقذًا، مجرد سنجاب. لكن أحيانًا يكفي هذا.
جامعة مولود معمري – تيزي وزو بتاريخ 06/06/2026