Blog
قراءة في رواية “23H17”
“الزمن والاعتراف: في ميتافيزيقا الذنب”
في قلب هذه الرواية، هناك لحظة واحدة تتكرر حتى تتحول من رقم بارد إلى قدر:
23H17
هذه الدقيقة ليست مجرد إشارة زمنية تنظم أحداث الحكاية، إنها فكرة فلسفية بذاتها: الزمن حين يتوقف عن أن يكون مجرد مرور، ويتحول إلى محكمة. فالساعة في هذا العمل ليست أداة قياس، إنها وعي جماعي يراقب ويحصي ويستدعي. حين تتجمد عقارب الساعة عند هذه الدقيقة، يتوقف العالم الخارجي كي يبدأ العالم الداخلي في الكلام. وهذا بالضبط جوهر الفكرة التي يشتغل عليها العمل: أن الزمن الحقيقي ليس ما تقيسه الساعات، وإنما ما تحمله النفوس من ذنوب معلقة وحسابات لم تُغلق.
عنوان الرواية نفسه يحمل مفارقة عميقة: “محاكمة صامتة”. فالمحاكمة في العرف الإنساني تقوم على الكلام، على الشهادة والدفاع والاتهام، غير أن العمل يقترح محاكمة من نوع آخر، محاكمة لا تحتاج إلى شهود ولا إلى قضاة من لحم ودم، لأن الصمت ذاته يكفي ليكون حكما. وهذا ما يقوله النص منذ سطوره الأولى بوضوح شعري: “لم يَنطق المقتُول، لكنْ صمتُهُ حكمٌ مؤَبَّدٌ في حياةِ المجرِمِ”. هذه الجملة وحدها تختصر فلسفة العمل كله، إذ تجعل من غياب الكلام أقسى أشكال الإدانة. الشخصيات الخمس، آدم وليلى وسامي وياسين والرجل المسن، لا تُساق إلى المحطة المهجورة عبر اتهام صريح، وإنما عبر نداء داخلي يشبه ضميرا جماعيا يستدعي كل واحـــــــد منهــــم إلى مواجهة ما أخفاه عن نفسه قبل أن يخفيه عن الآخرين. ولذلك تتكرر الجملة التي تلاحق الشخصيات كأنها استدعاء رسمي: “المحطّة تعرف الحقيقة، لا تتأخر”. هنا تكمن الفكرة الأعمق: أن أقسى أنواع العقاب هو ذلك الذي لا يُنطق به أحد، والذي يكتفي الإنسان فيه بأن يواجه صورته في المرآة.
المحطة المهجورة في النص ليست مكانا جغرافيا بقدر ما هي عتبة بين عالمين: عالم الحياة اليومية المألوفة، وعالم الحساب الداخلي. إنها أشبه بما وصفته تقاليد فلسفية ودينية عديدة بـ “البرزخ”، ذلك الفضاء المعلق الذي لا هو حياة كاملة ولا هو نهاية كاملة. القطارات فيها لا تصل ولا تغادر، والأبواب تُفتح على الماضي أكثر مما تُفتح على الخارج، وكأن النص يختصر هذا المصير الجماعي حين يقول: “المحطة تنتظـــر”، تلك الجملة القصيرة التي تُختــــــــــم بهــــــــا كل حكاية شخصية من الشخصيات، كأنها قدر واحد ينتظر خمسة دروب. هذا الاختيار المكاني يخدم فكرة مركزية: أن مواجهة الذات لا تحـــــــدث في وضح النهار وسط الحياة الاجتماعية، وإنما في العزلة، حيث تسقط الأقنعة الاجتماعية وتبقى النفس عارية أمام تاريخها.
كل شخصية من الشخصيات الخمس تمثل شكلا من أشكال الذنب الإنساني: آدم يحمل ذنب الصمت أمام الظلم حين يسلّم بريئا حماية لنفسه، ليلى تحمل ذنب الانتظار العاجز والتعلق بما فات، سامي يحمل ذنب السلطة التي تنكرت لواجبها الأخلاقي باسم القانون، وياسين يحمل قلق الكــــــاتب الذي يكتشف أنه قد يكون مكتوبا أكثر مما هو كاتب.
أما الرجل المسن فهو الذاكرة المتراكمة، الشاهد الذي عاش الدائرة نفسها مرارا دون أن يستطيع كسرها، وهو من يهمس بحسرة: “الدائرة لا تنكسر، مهما حاولنا”.
هذا التوزيع يقترح قراءة رمزية: أن الشخصيات الخمس ليست أفرادا منفصلين تماما، وإنما أوجه متعددة لتجربة إنسانية واحدة، وهو ما يصــــــرح به الهمس الجماعي في أواخر النص: “لم تكونوا غرباء، أنتم وجه واحد”. تجربة الإنسان الذي يهــــــــــــرب من مسؤوليته ثم يكتشف أن الهروب نفسه كان طريقا طويلا للعودة إلى نقطة البداية.
من أكثر اللحظات كثافة فلسفية في النص، مشهد ياسين أمام المرايا حين يقرأ جملة “أنت لم تكتب يوما، نحن الذين كتبناك”، ثم يسمع صوتا آخر يقول له لاحقا: “أنت الحبر، لست الكاتب”. هنا ينفتح النص على سؤال قديم جديد حول الإرادة الحرة: هل الإنسان صانع لمصيره أم مجرد أداة تُكتب من خلالها قصة أكبر منه؟ هذا التساؤل يوسع المعنى الفلسفي للعمل كله، إذ يتحـــــــــــــول السؤال الفردي عن الذنب إلى سؤال وجـــــــــــودي أشمل عن حرية الاختيار نفسها. فإذا كانت الشخصيات مدفوعة إلى المحطة بقوة لا تُقاوم، فهل تبقى مسؤولة أخلاقيا عما اقترفته؟ العمل لا يجيب بشكل مباشر، وإنما يترك التوتر قائما بين الشعـور بالذنب من جهة، والإحساس بأن القدر كان أقوى من الإرادة من جهة أخرى.
فكرة “الدائرة” التي يتكرر ذكرها في الفصول الأخيرة تستحضر تصورا فلسفيا قريبا من فكرة العود الأبدي: أن اللحظة نفسها تتكرر، بالوجوه ذاتها أو بوجــــــــــوه مختلفة، وأن المعرفة بالنهاية لا تمنح القدرة على تغييرها. حين يقول الرجل المسن إن “المعرفة لعنة، لأنها لا تمنح القدرة على التغيير”، فإنه يلخص مأساة إنسانية عميقة: أن يعرف الإنسان مصيره ويظل عاجزا عن تفاديه، وهــــــــــو ما يردده صوت آخر في النص كإعلان جماعي للمصير: “لا أحد ينجو من 23H17. غير أن نهاية النص تفتح كوة صغيرة في هذا القدر المغلق، حين تتجاوز الساعة الدقيقة الملعونة إلى 23H18..
ثم إلى ما بعدها.
هذا التجاوز لا يُقدَّم كخلاص واضح، وإنما كاحتمال مفتوح، احتمال أن تكسر الدائرة نفسها ولو مرة واحـــــــدة، دون أن يُعرف إن كان هذا الكسر نجاة أم عذابا جديدا بشكل آخر.
في النهاية، يقترح هذا العمل رؤية للعدالة أعمق من العدالـــــة القانـونية: عدالة داخلية، لا تصدر عن محكمة ولا عن قانون مكتوب، وإنما عن مواجهة الإنسان لصورته الحقيقية حين تسقط كل الأعذار. الصمت الذي يملأ العنوان والمحطة والشخصيات ليس غيابا للمعنى، إنه أعلى درجــــــــــــات الحضور، لأن الإنسان حين يصمت أمام نفسه لا يعود قادرا على الهروب من حقيقته.
وهــــــــــذه، في جوهرها، فكرة فلسفية قديمة قدم الإنسان نفسه:
أن أقسى المــــــــــحاكم هي تلك التي نقيمها نحن لأنفسنا، في عتمة الليل، حين تتوقف الساعة عند دقيقة لا تُنسى، دقيقة يصفها النص في لحظة الحساب الأخيرة بجملة واحدة تلخص كل شيء:
“لحظة الحساب 23H17”.
بقلم: أ. كمال لعرابي
قسم الفلسفة – جامعة مولود معمري
تيزي وزو – 05/07/2026