Uncategorized

قراءة في الأجساد المحاصرة والأرواح المتمردة

المجموعة القصصية “تعالوا نحتفل بالفوضى” لكاتبة: صباح تيطراوي

بقلم: أ. كمال لعرابي

إنّ الفوضى ليست ضد النظام.. وهذا ما تخبرنا به الكاتبة وأكثر ما أستنطق انطلاقًا من قرائتي بين السطور، عكس ما يروج له كوهم أول تزرعه الأنظمة في رؤوسنا لنخافها ثم نحميها. الفوضى التي تدعونا إليها صباح تيطراوي في مجموعتها “تعالوا نحتفل بالفوضى” ليست أبدا ضجيجًا في الشوارع ولا انهيارًا للقواعد، إنما هذه الفوضى هي الاسم الحقيقي لكل ما يحيا خارج السيناريو المكتوب سلفًا، خارج القبر الذي يُهيَّأ للإنسان منذ ولادته ويُسمَّى بيتًا أو زواجًا أو وطنًا أو شرفًا. والسؤال الأول الذي تطرحه هذه القصص، وإن لم تصرّح به، هو: من الذي صنع النظام الذي تُعدّ كل مخالفته فوضى؟

ثمة منطق دائري يسكن في قلب المجتمعات التقليدية، منطق يشبه الثعبان الذي يلتهم ذيله. العيب معناه ما يراه الناس عيبًا، والناس يعتبرون عيبًا كل ما خرج عما ورثوه، وما ورثوه جاء من ناس قبلهم لم يسألوا هم أيضًا، وهكذا إلى ما لا نهاية. تتوالد المعايير دون مصدر، وتُحرس القيود دون أن يعرف أحد من وضعها في الأصل. وهذا بالضبط ما تكشفه تيطراوي حين ترسم نساءها كأسيرات لآلة اجتماعية أكبر من الجلاد ومن الضحية معًا ولا كضحايا للرجال بعينهم. الكلمات الثلاثة “ع.ي.ب” التي تحفظها البنات “منذ نعومة أظافرهن” في قصة “أنت منزلي” هي مثال صارخ: ليست قانونًا مكتوبًا ولا وصية نبي، مجرد ثلاثة أحرف تضبط حياة كاملة وتُقيّد قرارات لا حصر لها، من لحظة الزواج إلى لحظة الموت، ثم من لحظة الموت الأول إلى موت آخر.

لكن ها هنا يبدأ أول التعقيد الحقيقي: إذا كان الجميع يشاركون في إنتاج هذا النظام، فهل الجميع مسؤولون بالتساوي؟ هذا السؤال ليس فقط أخلاقيًا، هو سؤال وجودي يمس جوهر ما نفعله بالوعي حين يأتينا. فالأم التي تُربّي ابنتها على الصمت لم تختر الإيذاء، اختارت ما تعرفه من الحماية في عالم قاسٍ. والرجل الذي يُطالب بالطاعة لم يخترع النص، ورثه كما ورث اسمه. بل أكثر من ذلك، قصة “الأرواح المغتصبة” تضعنا أمام عائشة في السابعة عشرة من عمرها، تتلاعب بأصابعها في “السياج الحديدي في ارتباك كبير” وهي تسمع أن أهلها زوّجوها لشيخ كهل. لماذا وافقوا؟ لأنه “صديق والدي وملك المال ويعيش في أوروبا”. الأب هنا ليس وحشًا، وإنما هو إنسان يرى في المال والجغرافيا حمايةً لا استعبادًا، تلك هي المأساة الكبرى: حين يصنع الناس الطيبون الجحيم بأفضل النوايا. غير أن ذلك لا ينفي المسؤولية، ولكنه يُعقّدها تعقيدًا مؤلمًا. لأن الوعي حين يأتي، وحين يصبح بإمكان المرء أن يرى ما يفعل ويختار غيره، يتحول الفعل من مجرد تكيّف إلى اختيار. وعند هذه النقطة بالضبط يولد ما يمكن تسميته بالإثم المعرفي: ذاك الذنب الذي لا يتراكم عند فعل الشر، ولكنه يزداد عند رؤيته ورفض التحرك. نادية صديقة عائشة ترى الظلم، تسمعه، تلمسه بيدها حين تمسّ أصابع عائشة عبر فتحات السياج. تعرف. لكنها تتردد في الإفصاح، وحين تتكلم في النهاية تُضرب حتى الموت. والكاتبة هنا لا تتركنا نرتاح لأي إجابة سهلة: هل نادية بطلة لأنها أفصحت؟ أم أن موتها كان ثمنًا لم يكن يجب أن يُدفع؟ أم أن الصمت كان سيُمثّل استسلامًا؟ القصة لا تجيب، وعدم الإجابة هذا هو الأمانة الفلسفية الأعمق التي تقدمها تيطراوي.

لا يعتبر الضياع في هذه المجموعة فقدان للطريق.. هذه القصص تستحضر الضياع في صورة التوهان الوجودي بين هويتين لا تلتقيان: الهوية التي صنعها المجتمع وزرعها في الجسد كالتنفس، والهوية التي تنبت في الداخل بصمت وتنادي بشيء آخر. وأشد لحظات هذا الضياع وطأةً ليست حين يصطدم الاثنان، وإنما حين لا يصطدمان، وحين يتعلم الإنسان أن يعيش كاثنين في جسد واحد. الراوية في قصة “النافذة والوشاح المورد” تصف أمرًا شبيهًا بهذا حين تتأمل سكان العمارة وتخرج للحديقة باحثة عن قصص تستحق الكتابة، هربًا من قصص “مكررة” لا تلهمها. إنها تعرف أن هناك شيئًا آخر، لكنها تبحث عنه في الخارج لأنه لا يجرؤ على الظهور في الداخل. وحين تلتقي بالسيدة المسنة ذات الوشاح المورد، تلتقي في الواقع بنسخة من نفسها قدِمت من المستقبل. “جميعنا كتّاب ولكن لكل منا طريقته في سرد الأحداث” تقول السيدة، وهذه الجملة الصغيرة تحمل ثقلًا فلسفيًا كبيرًا: ليس هناك من لا يملك قصة، المشكلة هي من يُسمح له بسردها.

فأين يسكن الألم إذن؟ من المؤكد أنه لا يستوطن الحوادث الكبرى وحسب، وإنما يقيم في الفراغات التي تتركها وراءها. في الرسالة التي كتبتها حياة لرشيد وأغلقت عليها الظرف: “أحببتك لحظتها حتى قبل أن تنهي ضبط ساعة هاتفك، وقلت بيني وبين نفسي ليته يكون حبيبي وفعلًا كنت…”. امرأة تكتب رسالة وداع وهي لا تزال حية، تضع الظرف في أغراضها وتذهب إلى فلسطين. هذا ليس قرار موت، هذا قرار أن تكون حياة بالمعنى الأقصى، حتى لو كلّف الموت بالمعنى الأبسط. والمفارقة أن اسمها هو “حياة”، وهي الوحيدة التي فهمت معنى الاسم كاملًا بينما بقي من حولها يفهمون الكلمة بأدنى معانيها: الاستمرار البيولوجي والنوم والأكل وانتظار الشهر.

تفهم الكاتبة ما فهمه تشيخوف من قبلها بأكثر من قرن: استوعبت أن المأساة الحقيقية لا تُعلن عن نفسها بصخب، المصائب تجلس في ركن المشهد اليومي وتنتظر. رشيد يودّع زوجته بقبلة في الصباح “لكنه هذه المرة أرادها طويلة حد انقطاع الأنفاس”. ثم تُفتح الباب وتجد المرأة رجالَ الشرطة. “سيدتي كان يقرأ رسالة على هاتفه وهو يقود سيارته”. هذه الجملة كافية للإجابة عن كل شيء وللسؤال عن كل شيء في الوقت نفسه. ما الذي كان يقرأه؟ ربما رسالتها “اشتقت لك”. الحب كان آخر ما رآه. وهذا يجعل من الموت الأكثر رحمةً والأكثر قسوةً في آن واحد. ولأن الألم يسكن في الفراغات، يصبح السؤال: كيف نتكلم عما لا اسم له؟ وهنا تكمن وظيفة الأدب كما تفهمه تيطراوي: ليس لتوثيق الوقائع، لكنها كتابة تمنح الوقائع لغتها الداخلية. المومس في قصة “المومس البريئة” تقول للصحفية الشابة: “الكاتب العظيم هو ذاك الكاتب الذي لا يخشى دخول الكهوف المظلمة من أجل الحصول على قصة تستحق النشر”. وتضيف: “وأنت من ذلك النوع”. وهذا مثير للدهشة، لأن من تقوله هي امرأة “تخجل النظر للمرآة لوال ضرورة ذلك من أجل العمل”، امرأة خسرت كل شيء وتعرف أن الخسارة كانت مصنوعة بأيدي بشر لا بأيدي القدر. ومع ذلك هي التي تبصر الموهبة، هي التي تمنح الشابة إذنًا لم تطلبه. الضحية هنا تتحول إلى مانحة، وهذا القلب في موازين القوة هو أحد أبرز التحولات الأخلاقية في المجموعة كلها.

تحتاج قصة “المومس البريئة” بالذات وقفة أطول. فهي لا تستعرض الدعارة كنوع من الانحلال الأخلاقي، فهي تتتبع كيف تتحول الكفاءة إلى فخ، والحاجة إلى سلاح يُستعمل ضد صاحبها. فتاة من عائلة بسيطة، أب “عامل نظافة في البلدية”، تتخرج من الجامعة بأفضل النتائج ثم تكتشف متأخرة “أنها ابنة عامل النظافة ولست ابنة مدير أو جنرال أو وزير”. هذه الجملة تلخّص نظامًا كاملا في ثماني كلمات. فلا يكفي النجاح الفردي في مجتمع يعتمد على الوراثة الاجتماعية أكثر مما يعتمد على الكفاءة. وحين يلتقي الاستحقاق الحقيقي بالجشع الممنهج، تكون النتيجة حتمًا من الضعيف. الرجل الخمسيني الذي يغريها لم يكن شريرًا بالمعنى المسرحي للكلمة، كان ذلك النوع الأكثر خطورة: الشرير الناعم، الذي لا يُبادر بالضرب والهبات حتى يُدمن الطرف الآخر ثم يسحب اليد. “كان يشعر بالملل مني وقرر الحصول على دمية جديدة بنفس الطريقة التي حصل بها عليّ”. الكلمة “دمية” هنا هي تشخيص اجتماعي وليست مهانة عاطفية؛ وفي هذه المعادلة المرأة ليست شخصًا، هي وظيفة يمكن تجديدها.

وتبقى فلسطين في هذه المجموعة فلسطين؛ بعيد عن كونها تكون زينة لغوية ولا استعارة تُضاف لإضفاء بُعد قومي، إنما فلسطين هي المتن نفسه. لأن ما يحدث في فلسطين هو الاستعارة الكاملة لكل ما يحدث في القصص الأخرى: مصادرة الأرض كمصادرة الجسد، والاحتلال كالعادات والتقاليد التي تسكن أرواح الناس دون أن يستأذنها أحد. حياة الصحفية تدرك هذه العلاقة بشكل شبه غريزي: “في فلسطين أحببت أن أزور ما يسمونه معتقلا وما أسميه أنا في لغتي مخيم الأبطال”. هذا تغيير في الاسم لكنه في حقيقته تغيير في النظرة إلى السلطة كلها. من يملك حق تسمية الأشياء يملك حق تعريف الواقع، ومن يُحرم من هذا الحق يعيش في عالم لا يشبه ما يرى.. ثريا التي “نكّلوا بجسدها الصغير أشد التنكيل، أشربوها الصابون، أحرقوا يديها، شوّهوا وجهها ببطء بسكين حادة”، ثم ماتت قبل يوم زفافها بشهر، هذه الفتاة ليست مجرد شخصية في قصة. هي تمثيل مكثّف لكل الأجساد الصغيرة التي يحاول التاريخ محوها بينما تُصرّ على أن تبقى، حتى في المحو نفسه. “لم يعد هناك أطفال هنا، ربما أجسادهم أجساد صغيرة بريئة لكن عقولهم أنضج مني ومنك”، تقول حياة. وهذه الجملة تعكس معضلة أعمق: ما الثمن الحقيقي للنضج المسرّع قسرًا؟ حين تُسرق الطفولة لا يكبر الطفل فقط، ولكن تُسرق منه فرصة البراءة التي تُمكّنه لاحقًا من الإبداع والحب الكامل. وهكذا يتشابك الجرح الفلسطيني مع الجرح العربي الأشمل: الجميع يعيشون في حالة من الطفولة المُصادَرة، بعضها بالقصف وبعضها بالتقاليد، لكن النتيجة في كلا الحالين أجساد تعرّضت لما هو أكبر منها.

هل يكفي أن تُسمَّى الجراح كي تُشفى؟ هل الكتابة عن الظلم تنتهي بأنها تشهد عليه، أم أنها تفعل شيئًا أبعد؟ الكاتبة – صباح تيطراوي – لا تدّعي أن الأدب يُغيّر العالم مباشرة، لكنها تُؤمن أن التسمية بداية لا نهاية؛ والشهادة تزيل الإنكار، وإزالة الإنكار هي الخطوة الأولى نحو أي تحول ممكن. لهذا حياة تكتب كتابًا “متخمًا بقصص القتل والاعتقال والظلم والمقاومة، قصص قد ترى النور يوما” وتوقّع على الصفحة الأخيرة بجملة: “هكذا عدت للجزائر وبقيت في فلسطين”. وهذه الجملة الأخيرة هي ربما أجمل ما كُتب في هذه المجموعة، لأنها تلخّص الحل الوحيد الذي تقترحه تيطراوي على الرغم من كل شيء: أن تعود الجسد وتبقى الروح، أن تُكمل الحياة البيولوجية وتظل الشهادة قائمة في كل كلمة، في كل قصة، في كل وشاح مورد يحمله إنسان حتى شيخوخته.

وهكذا يعود السؤال إلى نقطة البداية كما تعود كل الأسئلة الكبرى: الفوضى ليست ضد النظام، بل الفوضى هي النظام الآخر، نظام الأرواح التي رفضت أن تُقبر وهي تتنفس. ودعوة “تعالوا نحتفل بالفوضى” لا تعني الاحتفاء بالدمار، ولكنها تعني أن نحتفل بكل من آثر أن يكون حيًا فعلا على أن يكون ميتًا بشكل أنيق. بكل من رفض كلمة “عيب” ودفع ثمنها. بكل من أشعل سيجارة وهو يعرف أنه يعيش على هامش مجتمع لا يريده. بكل من قرأ كتابًا تحت القصف. بكل من احتفظ بوشاح مورد منذ الثلاثين ولم يتخلَّ عنه.

جامعة مولود معمري – تيزي وزو تاريخ: 15/05/2026

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *