Blog
الأنا وفخ الملكية العاطفية
بقلم: أ كمال لعرابي
ثمة ظاهرة تتكرر بصور شتى في متاهات العلاقات الإنسانية، وتكشف عن عمق الهشاشة التي يحملها الإنسان في أعماقه: حين يتحول الآخر في وجداننا من كيان حر مستقل إلى ملكية رمزية نحرسها بغيرة، لأنها تعرّفنا. هذه هي الأنا حين تنزلق من كونها مركزا للوعي إلى أن تصير سجنا من الحدود الوهمية. فحين تصير الأنا خريطة للعالم، أين يذهب الآخر؟
لم تكن الأنا في جوهرها الفلسفي شرا محضا. فهي، كما رأى كانط، شرطا ضروريا لكل تجربة؛ إنها الخيط الرابط بين اللحظات المتفرقة، والمشكِّل للهوية عبر الزمن. غير أن المشكلة لا تظهر في وجود الأنا، ولكنها تتجلى حين تبدأ في رسم الحدود بين ما ينتمي اليها وما لا ينتمي، وتمتد هذه الحدود لتشمل الآخرين أنفسهم.
فيميز الفيلسوف مارتن بوبر بين نمطين من العلاقة؛ تلك العلاقة الني وسمها بعلاقة “أنا-أنت”، حيث يظل الآخر كيانا كاملا يُقابَل لا يُمتلَك، وعلاقة “أنا-هو”، حيث يتحول الآخر إلى موضوع وظيفي في خريطة الذات. والانجراف وراء الأنا هو تحديدا هذا التحول الخفي؛ حين نبدأ بالتعامل مع من نحب كامتداد لنا لا كوجود مستقل بيننا. فهل نغضب على الآخرين حقا، أم على الصورة التي كسروها فينا؟
من أشد تجليات هذا الانجراف إثارة للتأمل؛ ذلك الغضب الذي يصيبنا حين يتواصل من نحبهم مع أشخاص لا يمرون عبرنا. يبدو هذا ظاهريا ضربا من الغيرة المفهومة، أو حرصا مشروعا. غير أن الفلسفة تقشر هذه الطبقة لتكشف ما تحتها؛ فإن الشخص الغاضب لا يخشى فقدان صاحبه، ولكن جلى ما يخشاه تصدع صورة يحملها عن نفسه، صورة يكون فيها هو المحور والبوابة. فالأنا التي تحب في هذه الحالة لا تحب الآخر بقدر ما تحب الدور الذي يمنحها إياه. إنها تحب أن تكون المرجعية، المدخل، الوسيط الضروري. وحين يتجاوزها الآخر ببساطة ليبني علاقة مستقلة، فإنه يكشف زيف تلك المركزية؛ وهذا الكشف مؤلم دائما. فما الذي يقوله الصمت حين يصير سلاحا؟
اللافت في هذه الديناميكية أن ردة الفعل كثيرا ما تأتي في شكل صمت وانسحاب. وهذا الصمت ليس مجرد مشاعر جريحة تحتاج وقتا للشفاء، هو فعل سلطة؛ إنه محاولة لاستعادة السيطرة عبر الغياب، ليقول الصامت دون أن ينطق “انظر كم أنت محتاج إليّ حين أغيب.” فكان سارتر يرى أن العلاقات الإنسانية تتأسس على صراع خفي من أجل الحرية؛ أي كل منا يريد أن يعرّف الآخر بدل أن يعرّفه. والصمت العقابي هو لحظة هذا الصراع في أجلى صوره؛ هو محاولة لإعادة ترتيب الأدوار، وفرض الاعتراف بالغياب كما كان يُفرض بالحضور. ولذلك؛ أتحب الآخر فعلا، أم تحب انعكاسك فيه؟
يطرح إريك فروم في كتابه “فن الحب” تمييزا جوهريا بين الحب الناضج والحب الطفولي. فالحب الطفولي يقول: “أنا أحبك لأنني أحتاجك.” وأما الحب الناضج يقول: “أنا أحتاجك لأنني أحبك.” والفارق ليس لغويا، الاختلاف هنا وجودي: في الأول يصير الآخر وسيلة لملء ثغرة داخلية، وفي الثاني يظل غاية في ذاتها. والانجراف وراء الأنا التي تحب هو في جوهره نكوص إلى الحب الطفولي: حيث يصير الصديق أو الحبيب مرآة نرى فيها أنفسنا لا نافذة نطل من خلالها على كائن آخر. ومن هنا يأتي الألم حين يتصرف الآخر باستقلالية: إذ تتشقق المرآة فجأة وتصبح غير قادرة على عكس الصورة التي كنا نريد. فهل تعني محبة الآخر أن تمنحه حرية ألا يمر عبرك؟
لعل من أعمق ما قالته الفلسفة في باب الحب والعلاقات، ما صاغه خليل جبران بصورة شعرية رائعة: “أن الحب يعطيك من نفسه لكنه لا يأخذ منك شيئا، وأنه لا يتملك ولا يُتملَّك”. وأن تحرر الآخر من أن يكون امتدادا لك، هو أصعب اختبارات الحب وأصدقها. فالأنا التي تتعلق وتغضب وتصمت لا تحب الآخر، ولكن في الحقيقة تحب انعكاسها فيه. والتحرر من هذا الفخ لا يعني اللامبالاة، لكنه بلوغ مرحلة تتسع فيها الذات لتقول بصدق: “فرحتي بك لا تشترط أن تمر عبري.” تلك هي الأنا المعافاة؛ وليس تلك التي تلغي نفسها، فقط تلك التي لا تجعل من نفسها ثمنا يدفعه الآخرون كي يُحَبّوا.